نورالدين علي بن أحمد السمهودي
220
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
تعالى عنهما ، فقيل له : إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه ويفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر ، وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة ، فقال : لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا ، وتركه واسع ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده . قال الباجي : ففرق بين أهل المدينة والغرباء ؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك ، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم . قال السبكي : والمتلخّص من مذهب مالك أن الزيارة قربة ، ولكنه على عادته في سد الذرائع يكره منها الإكثار الذي قد يفضي إلى محذور ، والمذاهب الثلاثة يقولون باستحبابها واستحباب الإكثار منها ؛ لأن الإكثار من الخير خير . وقال النووي في زيارة القبور من الأذكار : ويستحب الإكثار من الزيارة ، وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل . وسبق في الفصل العشرين من الباب الرابع قول عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في خبر هدم جدار الحجرة : كنت أخرج كل ليلة من آخر الليل حتى آتي المسجد فأبدأ بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأسلم عليه ، ثم آتي مصلاي فأجلس به حتى أصلي الصبح . وروى ابن زبالة عن عبد العزيز بن محمد قال : رأيت رجلا من أهل المدينة يقال له محمد بن كيسان يأتي إذا صلّى العصر من يوم الجمعة - ونحن جلوس مع ربيعة بن أبي عبد الرحمن فيقوم عند القبر فيسلم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ويدعو حتى يمسي ، فيقول جلساء ربيعة : انظروا إلى ما يصنع هذا ؟ فيقول : دعوه فإنما للمرء ما نوى . وقال ابن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : قال ابن عجلان لبعض الأمراء : إنك تطيل ثيابك ، وتطيل الخطبة ، وتكثر المجيء إلى قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فلو كان فيه العجلان ما أتيته . ومنها : إكثار الصلاة والتسليم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وإيثار ذلك على سائر الأذكار ، ما دام هناك . ومنها : اغتنام ما أمكن من الصيام ولو يسيرا من الأيام . ومنها : الحرص على فعل الصلوات الخمس بالمسجد النبوي في الجماعة ، والإكثار من النافلة فيه ، مع تحري المسجد الذي كان في زمنه صلى الله تعالى عليه وسلم ، إلا أن يكون الصفّ الأول خارجه فهو أولى ، وإن أمكنه ملازمة المسجد ، وأن لا يفارقه إلا